الشيخ محمد اليعقوبي

6

خطاب المرحلة

ما شاء الله تعالى من الدموع ، وانطوت جوانحنا على ما يعلمه الله تعالى من الآلام والهموم . وتحول مرقد السيد الشهيد ( قدس سره ) إلى محل يجتمع فيه يومياً آلاف المفجوعين من أتباعه ، وآخرون أحسوا بالندم ؛ لأنهم لم ينصروه ، ولم يشاركوا في حركته ، وسمعوا فيه كلام الباغين والحاسدين ، ويُلقي الشعراء المراثي ويقابلهم الحضور بالبكاء واللطم على الصدور ، والسلطة تراقب عن كثب ، ولا تتدخل لامتصاص زخم الجماهير الغاضبة ، ولسان حالهم : ( فلقد قضيت من الحسين ديوني ) ، وأخذت الأعداد تتزايد عندما رفع الحصار عن النجف بعد أسبوعين تقريباً ، وبدأت أعداد كبيرة تفد من المحافظات ، واستمر هذا الحال إلى الأربعين ، الذي صادف قرب زيارة الغدير ، وهي زيارة ضخمة إلى مرقد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ومن ثمّ انتشر جلاوزة السلطة حول المرقد الشريف ، ونشروا سيطرات عسكرية لمنع وصول الناس إليه . وبإزاء هذه المشاعر العامة كان عندي إحساس من نوع خاص ، إنه الشعور بالمسؤولية تجاه المشروع الإصلاحي الذي اختطه السيد الشهيد ( قدس سره ) وتوجيه الحركة الإسلامية المتنامية في العراق ، وكنت أرى أن التصدي لهذه المسؤولية منحصراً بي ، حيث ارتعدت فرائص الآخرين من الخوف ، ولم يجرأوا حتى على فتح أبواب دورهم عندما طرقها ذوو السيد الشهيد ( قدس سره ) المفجوعون ليلة الاستشهاد ، وهم شباب لا تجربة لهم ، وطلبوا مساعدتهم والصلاة على جثمانه الطاهر ، فحرموا من هذا الفضل العظيم . وقد اقترن هذا الإحساس بتكليفي بحمل هذه الأمانة بقرائن وجدانية ، من خلال ما أفاض الله تعالى علي من الطمأنينة وقوة القلب ورباطة الجأش واستصغار الدنيا والطامعين فيها وعبدة الطاغوت - مهما كان جبروتهم - والحكمة في التصرف ، مما لم أكن أعهده من قبل ، وفهمت بالوجدان ما روي عن الإمام الهادي ( عليه السلام ) حينما قال لجلسائه يوماً - وهو في المدينة -